روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
32
عرائس البيان في حقائق القرآن
صلى اللّه عليه وسلم في ذلك خاصية لم يكن لأحد فيها نصيب ، وذلك أنهم يسلكون من مقام مشاهدة نور الفعل إلى مشاهدة نور الصفة ، ثم إلى مشاهدة نور الذات ، وهو عليه السّلام في أول حاله شاهد العين ، ثم شاهد الصفة ، ثم شاهد الفعل رحمة للعالمين ، ولو بقي في مقام الأول لما استمتع به الخلق في متابعته . ألا ترى إلى قوله سبحانه لحبيبه عليه السّلام : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ أشهده ذاته ، وأبرز له صفاته ، ثم أحاله إلى رؤية الفعل بقوله : كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ لئلا يفنى في سطوات عظمة ذاته وصفاته ، فلما ضاق مكانه في رؤية الفعل ، وطالب الأصل ، وشقّ عليه الاحتجاب به عنه كاشف الحق عنه ضرار الفعل ، وأبرز له مشاهدة ذاته بقوله : ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً أي : خفيّا سريعا ، ولولا فضله ورحمته في قبضه خفيّا يسيرا لاحترق الكل في أول بداية طلوع الجمال والجلال على قلوبهم ، وهو تعالى خاطب الجمهور برؤية فيه ، وخاطب حبيبه برؤية ذاته وصفاته ، وهنا كما قال الواسطي : أثبت للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق ، وأثبت للخاصة الخالق ، فأثبتوا به المخلوق ، ومخاطبة العام أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً [ النور : 43 ] ، و أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) [ الغاشية : 17 ] ، ومخاطبة الخاص أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ . قال بعضهم : قال لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ العصمة قبل أن أرسلك إلى المخلوق ، ولو شاء لجعله ساكنا أي : جعله مهملا ، ولم يفعل ، بل جعل الشمس التي طلعت من صدرك دليلا ، ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ، هذا خطاب من أسقط منه الرسوم والوسائط . قال ابن عطاء : كيف حجب الخلق عنه ، ومدّ عليهم ستور الغفلة وحجبها . وقال في قوله : ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا : شموس المعرفة هي دلائل القلب إلى اللّه ، وعن جعفر قال : حجب الخلق عنه . وقال بعضهم : الظل حجاب بينك وبين اللّه ، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وهو نور الهداية بالإشارة ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وهو جذب القدرة التي يجذبك من الأشياء إليه . وقال الأستاذ : ظل العناية على أحوال أوليائه ، فقوم هم في ظل الحماية ، وآخرون في ظل الرعاية ، وآخرون في ظل العناية فالفقراء في ظل الكفاية والأغنياء الراحة والحماية ، ويقال : أحيا قلبه بقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ ، ثم أفناه بقوله : كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فكذا سنته